فن السرد، ركيزة هامة لمنظومة الثقافة العالمية والعربية، والمعبّر الصادق عن أنوائها ووقائعها العامة والخاصة، حتى صار من البدهي القول، أننا نحيا عصر الرواية، التي أصبح نموها لافتا، إن على مستوى التأليف أو ال
نشر أو كثرة الجوائز المخصصة لهذا الفن المدهش.
كويتيا، يُلاحظ المتابع تنامي وازدهار السرد النسائي - إن جاز لنا هذا التوصيف – خلال العقدين الأخيرين.
قبل الدخول لأي نص على المتلقي أن يقف على عتباته، مستشرفا آفاقه التي تمنحه الخصوصية وتضيئ أركانه.
غلاف الرواية بخلفيته السوداء الذي تتناثر فوقه بقع من ألوان شتى يغلب عليها لون الدم، ومكتوبة حروفها بالأحمر واسم الكاتبة باللون الأبيض، بما يحمل كل لون من دلالات وإسقاطات وإحالات ، تمّثل فيه هاتيك البقع متعددة الشكل ودرجة اللون ، تبديدا للسواد الذي يحتل اللوحة زارعا بذور الأمل، مع بروز ووضوح الثاني من أغسطس/ آب، بما يشير إليه من مناسبة تُحيل لكل ما هو مؤلم، أما عنوان الرواية (كاللولو)، فمضمخ بإحالات كثيرة ليس أقلها النقاء والبراءة، والأمل الموشوم على حدقات الطفولة، الحالمة بكل ما هو ثمين ونفيس، مهما حاولت الأيام أن تهدم جُدر الحلم في طفولتنا، فإذا ما تقدمنا خطوة تجاه الإهداء -العتبة الهامة الأخرى- الذي يرشح إحساسا بالغربة وربما غياب الاهتمام، " أماه، لأن الحياة بك أجمل"، استشرفنا قسوة الحصار الذي يملأ على الكاتبة وجدانها، وهروبها من الآلام وقذارات الواقع تجاه حضن تلتمس فيه السكينة والملاذ والأمان.
يواصل ديفيد فنكينوس، عبر روايته "إنّي أتعافى" هوايته الأثيرة في التقاط التفاصيل ونسج حكايات كبيرة منها، فالروائي الفرنسي الذي كتب إحدى عشرة رواية ناجحة خلال السنوالأخيرة، والذي يستقرّ منذ عمله الأول ضمن قائمة أكثر الكتّاب الفرنسيين مبيعاً، أصبحت له ملامح كتابية بارزة لا يخطئها كل من قرأ له. إنّه في كل مرة يختار موضوعاً طريفاً ينطلق منه بكوميديا سوداء إلى مساحة من التأمل تلامس الروح بعذوبة لا تخلو من مسحة حزن شفيفة.
تبدأ حكاية "إنّي أتعافى" التي نقلها إلى العربية محمود المقداد، من اللحظة التي يشعر بها بطل الرواية، الذي لا نعرف اسمه حتى النهاية، بألم مقلق في الظهر ألمٍ زاره للمرة الأولى دونَ مقدمات على مائدة الطعام برفقة زوجته وصديقين. يعرف الرجل تماماً أنّه لم يبذل أيّ جهد بدني، وليس لديه تأريخ مع هذا الشعور، لتبدأ رحلة البحث المضنية عن التشخيص الصحيح مع خشية مفرطة من الوقوع في هوّة مرض خطير.

رغم أن هذا الكتاب قديم – طبعة 1987- الا أن أهميته تستدعي التعريف به حتى ونحن في الألفية الثالثة. الكتاب هو ترجمة لقصيدة البردة الشهيرة التي كتبها البوصيري مدحا في النبي صلى الله عليه و سلم ، لكن الطريف في هذه الترجمة هو أنها ترجمة بالشعر الإنجليزي الذي يلتزم بأقرب الأشكال الشعرية الإنجليزية إلى موسيقى الشعر العربي القديم و هو نظام التشطير التصريعي أو التصريع المسرحي heroic couplet و الذي كان يلتزمه شعراء الكلاسيكية الجديدة من أمثال الشاعر الكبير ألكسندر بوب. صاحبة هذه الترجمة هي ثريا مهدي علام و قام بمراجعتها الدكتور محمد مهدي علام. و الكتاب مكتوب بالإنجليزية و يقع في 173 صفحة من القطع الصغير 20x 15 و الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1987 الطبعة الأولى.
و المترجمة مصرية و لدت في القاهرة و قضت اثني عشرة عاما من طفولتها في انجلترا مع عائلتها ثم عادت إلى مصر في 1948 و التحقت بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب و تخرجت فيه بمرتبة الشرف. و قد كتبت العديد من القصائد بالإنجليزية في العديد من المجلات الأدبية كما حصلت على جائزة من السفارة الباكستانية عام 1982 لقصيدتها "محمد إقبال الأب الروحي لباكستان" في الاحتفال بذكرى ميلاد الشاعر الخامسة بعد المائة. كما حصلت على جائزة الدولة للترجمة 1986 عن ترجمة كتاب " أصداء الشعر العربي في النظم الإنجليزي".
قبل أيام قرأت رواية "عفار" للكاتبة الكويتية حياة الياقوت، وتقع الرواية في 208 صفحات من القطع المتوسط، وتدور أحداثها بين الكويت والسودان والصومال وأديس أبابا، ونستطيع تصنيفها من الأدب المواجه للمد التبشيري القادم من أوروبا والذي يجتاح القارة السمراء منذ زمن، إذ ليس أمام أهلها الجياع سوى أن يعتنقوا المسيحية ليس لأنها الدين الصحيح، ولكن لأن المبشرين بها يطعمون الناس خبزاً يقيم أصلابهم. تتدرج الرواية من ثانويات الكويت وأروقة جامعتها بين طلبة أغراهم حب الاكتشاف، ونمت في دواخلهم بذرة الخير ليقوموا بواجبهم تجاه إخوان لهم تجاهلهم الإعلام وكأنهم خارج إطار الزمان، ومازالت الكويت تقدم نماذج مشرفة للعمل الخيري بدءا من الداعية المغفور له بإذن الله عبد الرحمن السميط إلى يوم الناس هذا، قافلة متطوعين بينهم طبيب أو أكثر، وطلاب جامعة وفريق عمل متكامل تدعمه المعونات التي لا تكتفي بإرسالها فقط وإنما تشرف تلك الجماعة على توزيعها لمستحقيها.

صدر للكاتبة نوال السباعي كتاب بعنوان "مورا في مدريد". هذا الكتاب يحكي حكاية "غربة سورية" ضمن غربات متداخلة متراكبة، تمتد من دمشق مرورًا بغرناطة وصولاً إلى مدريد، ما بين عامي 1985 و1995م -أواخر القرن العشرين- بكل ملابسات الغربة -السياسية والثقافية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية والدينية والإنسانية-، من خلال "بعض"ِ سيرةٍ ليست "ذاتية"، وإنما "سيرة جماعية"، لا حدود تفصل فيها بين الخاص والعام، تتشابك فيها السير والشخصيات والأحداث، تراوح ما بين الواقعي والتركيبي، لتنسج من وجهة نظر الكاتبة نبأ حياة شريحة هامة جدًا من المغتربين لم يتحدث باسمهم أو يكتب عنهم أحد.
ما إن جاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم للناس كافة ؛ تغيرت أحوالهم، واختلفت مداركهم ومعارفهم عن ذى قبل ؛ لدرجة أن التحول امتد إلى لسانهم، وشكل لغة جديدة لم تُؤْلَف من قبل، أطلق عليها الألفاظ الإسلامية، وعنى بها تلك الألفاظ التي أقرها القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف بعد مجيء الإسلام الحنيف ؛ فهي إذا ألفاظ تمت ووقعت، وجدولت في الكتب والمرجعيات اللغوية، والإسلامية، ولم تعد النظرة إليها من فرض التخمين، أو التأسيس .
ولا خلاف في كون هذه الألفاظ قد كانت سببا في تعدد وجوه الإعجاز القرآني ؛ حيث تحيرت في فهمها الألباب والأفهام ؛ فما أجملها من ألفاظ، وما أحلاها ؛ وما ثمرة الخلاف فيها إلا من باب العبث والهزل، لا من باب الاهتمام والجد ؛ يقول الله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت : 26]
إن النظرة الموضوعية للألفاظ الإسلامية تقتضي البحث في مجالات عدة، سواء في مجالات اللغة العربية، أم في مجالات التفسير القرآني، أم في مجالات الحديث النبوي الشريف، وحتى مجالات العلوم الاجتماعية ؛ فهذه الظاهرة ترتبط بالمجتمع، وبالنواحى الاجتماعية ؛ إذ إن المجتمع بما يحتكم عليه من سلطة ودين يؤثر تأثيرا قويا فى اللغة.
الشاعر الفنان هو الذي يقف عند قصائد الآخرين ويتأملها ويتفاعل معها، ويقدم عنها تذوقه لقرائه الذين يحبهم ويحرص على تقديم أجود وأفضل قراءاته الشعرية لهم، والشاعر الفنان أيضا هو الذي لا تتضخم ذاته فلا يرى إلا نفسه ولا يستمع إلا لقصائده ولا يتذوق إلا شعره.
هكذا فعل الشاعر الفنان فاروق شوشة عندما انتقى "أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي" – من وجهة نظره – وقدمها معلقا عليها لمحبي ومتذوقي الشعر، ثم "أحلى عشرين قصيدة في الحب الإلهي"، وهكذا فعل الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة في كتابه "قصائد لا تموت – مختارات ودراسات"، وهكذا فعل الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) عندما قدم ديوان الشعر العربي عام 1964 وقبلهم قدم إبراهيم ناجي ترجمة رقيقة لبعض أشعار الشاعر الفرنسي شارل بودلير في "أزهار الشر".
وقد اختار الشاعر الفنان د. غازي القصيبي خمس قصائد أعجبته فقدمها في كتابه "قصائد أعجبتني" الذي أهداه إلى صديقه الشاعر البحريني إبراهيم العريض.
ولا يكتفي القصيبي باختياره للقصائد الخمس، وإنما حاول أن يعصرن بعض هذه القصائد، فيختار لها صفة ربما غير التي أرادها مبدعها، كأن يقول عن هذه القصيدة إنها القصيدة / المسرحية، أو تلك القصيدة إنها القصيدة / الفيلم، أو القصيدة / السيمفونية .. الخ.
إنه من خلال رؤيته أو تذوقه لهذه القصائد الخمس رأى أن العوالم الفنية الأخرى من السهل أو من الممكن تطبيقها على عوالم هذه القصائد التي قام باختيارها وانتقائها من وسط حدائق الشعر العربي قديمه وحديثه.
الصفحة 5 من 32