دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

    ثلاثون يوما منذ أن عقد لقاء أنابوليس في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني / نوفمبر من العام 2007 ، حتى كتابة سطور هذه المقالة . وقد كان من المفترض أن يكون هذا اللقاء راعيا وكافلا وضامنا أمينا لما أطلق عليه مفاوضات الحل الدائم ، وإقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية ، القابلة للحياة ، والمتعايشة سلميا مع الدولة الإسرائيلية .  إلا أن المفترض شيء ، وما يجري على أرض الواقع الفلسطيني شيء آخر بعيد جدا عنه بعد السماء عن الأرض . إن المقصود هنا كل ما يخص إصرار الحكومة الإسرائيلية الممنهج على المضي قدما وحثيثا في تنفيذ مخططاتها الإستيطانية في الأراضي الفلسطينية التي اغتصبتها غداة احتلالها لكامل التراب الفلسطيني .

في هذه الأيام الثلاثين ، وحتى ما قبلها ، كان من المفترض أن يجمد الإستيطان ولو جزئيا ، وحتى هذا التجميد لم يجد في الحكومة الإسرائيلية من هو معني بالقيام به لا كليا ،  ولا حتى جزئيا إكراما للعملية السلمية . ذلك أن السلام الحقيقي القائم على العدل ليس له مكانة في الأجندة السياسية الإسرائيلية .

وفي هذه الأيام الثلاثين ، وما دمنا بصدد الإستيطان ، فقد حذر تقرير جديد نشرته صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية مؤخرا من أن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل تعهداتها للرئيس الأميركي جورج بوش الإبن بشأن تجميد الإستيطان . وهذه الحكومة جادة بما لا يدع مجالا للشك في إضفاء صفة " مشروعية " لمواقع إستيطانية عشوائية ، فيما هي تواصل توسيع الإستيطان القائم في كل الإتجاهات الرأسية والأفقية .

إضافة إلى ما ذكرنا آنفا ، فقد كشفت أيضا جريدة " هآرتس " الإسرائيلية النقاب عن نية الحركات اليمينية الإسرائيلية اللابرلمانية إقامة ثلاثة مواقع إستيطانية جديدة ، والتحضير للعودة إلى خمسة مواقع إستيطانية تم إخلاؤها ظاهريا في وقت سابق .

وما زلنا في هذه الأيام الثلاثين المتخمة بالمشروعات الإستيطانية الإسرائيلية ، وآخرها لا أخيرها ، ما أعلنه وزير الإسكان الإسرائيلي عن وجود مخطط لبناء ما ينوف عن عشرة آلاف وحدة سكنية في الأراضي الفلسطينية التابعة لمدينة القدس العربية ، وتحديدا في منطقة قلنديا .

واستكمالا لهذه الهجمة الإستيطانية وفي نهاية هذه الأيام الثلاثين ، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها خصصت مبلغ خمسة وعشرين مليون دولار أميركي ، وطرحت العطاءات بغية بناء سبعمائة وخمسين وحدة سكنية بواقع خمسمائة وحدة في المستوطنة المقامة على جبل أبو غنيم " هار حوما " ، وومائتين  وخمسين في المستوطنة المقامة على أراضي الخان الأحمر " معاليه أدوميم " . وحبل الإستيطان على الجرار .

وهكذا ، ومنذ أن انتهى أنابوليس ، ولم تمض عليه إلا مدة هذه الثلاثين يوما ، هناك نمطية قائمة فيما يخص المشروعات الإستيطانية ، لا يمكن لأحد أن يقرأها أو يستقرأها إلا على أنها الخط الذي اعتمدته إسرائيل في سياستها الإستيطانية المستدامة ، ضاربة عرض الحائط بكل تعهداتها السابقة للإدارة الأميركية التي ، كما يبدو ، غير جادة في تفعيل هذه التعهدات . وهنا نذكر بوعد الرئيس الأميركي للجنرال شارون الذي كان في حينه رئيسا للحكومة الإسرائيلية ، ومفاده ضمان عدم العودة إلى حدود العام 1967 .

ويتمثل هذا الخط ، كما يقرأ من الخارطتين الجغرافية والديموغرافية للمشروعات الإستيطانية الإسرائيلية في استكمال مخطط تهويد القدس وتحديد مصيرها . ومن الناحية الأخرى تحديد مصير الحدود الإسرائيلية من خلال جدار الفصل الذي سيضم في نهاية الأمر الكتل الإستيطانية الست الكبرى المقامة على أراضي الضفة الفلسطينية .

 وهنا ولكي يكتمل المشهد الإستيطاني الإسرائيلي ، لا بد من الرجوع إلى أرشيف الإستيطان الإسرائيلي منذ العام 1967 ، وهو العام الذي احتلت به إسرائيل كامل التراب الفلسطيني . لقد بنت إسرائيل مائة وخمسا وثلاثين مستوطنة على خيرة الأراضي الفلسطينية التي اغتصبتها . إضافة إلى هذه المستوطنات المذكورة ، فقد بنت إسرائيل أربعا وثلاثين مستوطنة في منطقة القدس العربية وحدها . وهذا يؤكد نواياها التهويدية للمدينة المقدسة . ولا يقف الإستيطان الإسرائيلي عند هذه الأرقام ، فهناك مائة واثنتان من البؤر الإستيطانية العشوائية .

والسؤال الكبير المتعدد الجوانب الذي يطرح نفسه بإلحاح : أين هو الراعي الأميركي من هذه الإنتهاكات الفاضحة ؟ . ماذا تبقى للفلسطينيين ليفاوضوا عليه ؟ . وحين تخصم مساحات هذه المستوطنات ، ماذا يتبقى للدولة الفلسطينية الديموقراطية القابلة للحياة ، المتعايشة سلميا مع دولة إسرائيل ؟ . وعلى ماذا يتفاوض الفلسطينيون للحل الدائم ؟ .هل يعقل أن يكون هناك مسار مفاوضات حل دائم وسلام ، يقابله مسار استيطان وعدوان مستدامين ؟ .

إن الإستيطان من منظور فلسطيني يعني شرعنة استلاب الأرض التي هي مادة الوجود الفلسطيني الرئيسة . والفلسطينيون لا يتصورون سلاما دائما مع استلاب هذه الأراضي وهي ليست أية أراض ، وإنما هي منتقاة ومختارة بعناية تؤدي وظائف تخدم أهدافا احتلالية إستراتيجية بعيدة المدى ، تنطلق من تكريس مبدأ السيطرة والهيمنة على مقدرات الشعب الفلسطيني ، وإلغاء فصول قضيته العادلة من سجلات التاريخ .

وفي ذات السياق فإن الفلسطينيين لا يتصورون حلا دائما مشرفا وعادلا ، ودولة وعدهم بها رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش الإبن منذ ست سنوات ، وكرر وعده هذا في أنابوليس ، وها هي فترة ولايته الثانية قد شارفت على نهايتها ، وما زالت هذه الدولة في غياهب رحم الغيب السياسي ، وليس ثمة ما يلوح في الأفق أن وعده له رصيد على أرض الواقع .

إن الحقيقة الوحيدة على أرض واقع القضية الفلسطينية ، تتمثل في تسرطن التدرن الإستيطاني في كل جزء من أجزاء الأرض الفلسطينية . وإذا ما أضفنا إلى هذا الواقع مسلسل الإجتياحات العسكرية ، والإغتيالات ، والإعتقالات ، والحصارات ، والحواجز ، والأطواق الأمنية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة الفلسطينية ، فإن المشهد الفلسطيني تظلله غمامات قاتمة من الشكوك في مصداقية الطرف الإسرائيلي الذي برهنت التجارب مرارا وتكرارا أنه غير ناضج لتقبل سلام حقيقي مع الفلسطينيين .

كلمة لا بد منها ، لقد ظلت السياسات الإسرائيلية على مدى عقود طوال ، وفيما يخص القضية الفلسطينية حبيسة المطامع الإستيطانية القائمة أصلا على اغتصاب الأرض الفلسطينية التي هي أهم عنصر من عناصر الوجود الفلسطيني . إنها سياسات قائمة على حق القوة ، ولا تمت إلى قوة الحق بأية صلة كانت .

إزاء هذه التحديات الإستيطانية الخطيرة التي تتهدد الوجود الفلسطيني على أرضه ، وفي وطنه التاريخي ، فإن الفلسطينيين الذين ناضلوا وما زالوا يناضلون من أجل تحريرهم وحريتهم وسيادتهم وحقهم المشروع في تقرير مصيرهم ، يصرون على أن ثوابت قضيتهم المشروعة خط أحمر ، لا يجرؤ أحد كائنا من كان أن يتجاوزه تحت أي ظرف من الظروف ، ومهما طال الزمن ، حتى يأذن الله ، ويأتي الفرج من عنده . وإن غدا لناظره قريب .
شاعر وكاتب فلسطيني

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية