إن للسفر متعة بالنسبة لي لا تضاهيها الكثير من المتع الأخرى في الحياة، وذلك لأن السفر ليس سياحة وترفيهًا فقط، كما يعتقد البعض. السفر هو ثقافة إنسانية تأتي بصور متعددة؛ بدءًا من تعاملك مع سائق سيارة الأجرة في المطار، مرورًا بتعاملك مع موظف استقبال الفندق، وجرسون المطعم، والبائع في المركز التجاري. فأنت خلال هذه الرحلة تتعامل مع أنماط وجنسيات مختلفة من البشر، مما يكسبك مرونة في التعامل ومعلومات شتى في أمور ربما لم تكن تعتقد بأنك ستخوض فيها يومًا من الأيام.
ولا نستطيع أن ننكر أهمية الصحبة الصالحة في السفر، ودورها في إضفاء المتعة والفرح على الرحلة، ولكن للسفر منفردًا أيضًا متعة أخرى.
السفر منفردًا، وخصوصًا للأفراد المتصالحين مع أنفسهم، والمكتفين بذواتهم، والذين لا يستمدون سعادتهم من وجودهم مع الآخرين، له طعم خاص.
تخيل أن تستيقظ في الصباح متى ما أردت، دون أن تقلق بأنك تأخرت عن رحلة، أو أن الطرف الآخر قد يكون تضايق من استغراقك في النوم. ثم تذهب إلى المكان الذي تحبه؛ متحف مثلًا، وتستغرق وقتًا طويلًا في النظر إلى لوحة أعجبتك، دون الإحساس بالذنب بأن صديقك لا يعشق المتاحف، مثلًا.
ثم تذهب إلى مطعم، وبدلًا من أن تتناول الطعام خلال ساعة، تمكث أربع ساعات؛ تأكل، وتكتب، وتنجز، وتقرأ، أو ربما فقط تتأمل الطبيعة حولك. لا تفكر في الوقت، ولا تقلق من أجل إرضاء من معك. تتنفس بعمق، وتتخلص من زحام أفكارك، وتنجز أعمالك المعطلة، وتجرب أشياء جديدة، وتتواصل مع روحك.
وربما تكون السفرة كلها مجرد حالة من الصمت والتأمل، لاستعادة التوازن المفقود في ظل مسؤوليات الحياة وانشغالنا بالأجهزة الإلكترونية طوال الوقت.