دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

التجارب على اختلافها سواء حزينة أو سعيدة...مفيدة أو ضارة ...كئيبة أو مبهجة... تحمل للإنسان معاني كثيرة بل هي التي تفتح للإنسان أفاق النفس ليعرف نفسه أكثر و يدرك واقعة أعمق... مررت بتجربة قد تكون الأكثر روعة و أكثر قربا للنفس و أكثر شفافية و الأكثر استفادة.

 

لم تكن تجربتي في ربوع دولة أوربيا ساحرة و خلابة ولا في مكان روحاني حيت العبادة و التقرب لله... بل هو مكان متهالك البناء... قديم الطراز... بعيد المسافة ... و فيه أناس فقدوا أبجديات الحياة و خسروا عقولهم و أجسادهم و لم يتبقى لهم من حواسهم  و قدراتهم إلا ابتسامتهم التي تضفي على من يراهم جو إيماني مليء بالرضا و التواضع حيث تتخلى النفس عن أنانيتها و برجها العالي و تعيش بساطة العقول و بساطة الحركة مع أنصاف بشر... هذه تجربتي مع دور رعاية المعاقين و المتخلفين عقليا حيث قمنا بزيارتهم و مجالستهم و الترويح عنهم رغم شعوري و استفساري من قام بالترويح عن من ؟

كانت التجربة عظيمة الأثر بل كانت الدرس الأكبر الذي فشلت مناهجنا عن تعليمنا إياه و لم يستطع الإعلام أن يوصله لنا. كان درس الحياة بكل تناقضاتها و بكل مباهجها ... كان الإحساس بإنسانيتنا و بوجوب الشعور بالمسئولية نحوها هو الدرس المستفاد... كان شعور العطاء بدون انتظار مقابل هو انتصار النفس في هذه التجربة, و كانت حالة الرضا الذي لازمتنا أيام بعد الرحلة هي ثمرة التجربة الأروع... فالرضا حالة نفسية تمزج السكون و الهدوء بالراحة و التقبل و أستطيع أن أجزم بأن أصل الحياة هو الرضا و لم يذق السعادة من لم يذق طعم الرضا...    تمنيت لو تخلى الساسة عن كراسيهم قليلا  و يعشوا معنا التجربة... تمنيت لو يترك التجار أعمالهم و يروا ما رأينا... تمنيت لو يقوم معلمين و معلمات وزارة التربية بزيارتهم و الإحساس بهم... تمنيت لو تكون هناك جهة تطوعية تتبناهم و تعتني بهم... رحلة غريبة و عجيبة فيها من المفردات و المعاني ما سيلازمنا ما حيينا... فقد استطعنا أن نستنشق هواء ملئه حياة جديدة بمفاهيم أكثر إنسانية..  

جال في خاطري و أنا أجالس المعاقين جسديا  كيف استطاع موسى بن نصير أن يفتح بلاد الأندلس و المغرب  و هو أعرج و كيف كان طارق بن زياد قائد الجيوش الإسلامية التي استولت على شبه جزيرة أيبيريا مشلول اليد ... و تعجبت للإنسان حين ينتفض من إعاقته إلى الكمال....و حين يكون العقل هو سيد الموقف و الكلمة ... و زادت دهشتي من أخت لنا من المعاقين لا تتحرك إلى بكرسي متحرك إلا أنها تتكلم خمس لغات... أحسست و أنا أكلمها بإعاقتي و ضئالتي و بكمالها و بقوتها و تيقنت بأن المعاق من منح القوة و ركن للضعف... و من ملك العقل و مال للجهل.... أليست الإعاقة الحقيقية هي  وقوف العقل عن الإبداع و نفورة من العلم و التعلم... أليس الإنسان عدوا لنفسه عندما يبني عالما خاليا من كل مفيد ... تعلمت مع أخواتي بأن لا قوة  إلا مع إصرار و لا ذكاء و عقل إلا مع الجد... و أن الإنسان هو ما يملك من أفكار.  

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية